حيدر حب الله

72

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

العلّي التي فهمها بعض المتكلّمين والفقهاء على أنّها تحوّل الله إلى آلة مسلوبة الإرادة . ولعلّ من أكثر القضايا قلقاً قضيّة ( وحدة الوجود ) التي حملت معها التباسات كثيرة لا حدود لها ، فقد فهم الفقهاء والمفسّرون والمحدّثون من نظريّة وحدة الوجود - مهما غلّفها العرفاء فيما بعد - أنّه لا يوجد غير الله تعالى ، ومن ثمّ فكلّ الخلق ليس شيئاً آخر غير الله ، وهذا إنكار لكلّ معاني الصفات الفعلية الإلهيّة تماماً ، بل إنكار لمعاني العقاب والثواب ، وإبطال لكلّ المنظومة الدينية ، إنّ الفقهاء - وطبعاً بعضٌ منهم ، وليس جميعهم - يعتبرون أنّ عرفاء وحدة الوجود قد تلاعبوا بالألفاظ كي ينجوا من التصريح بحقيقة معتقداتهم ، ولهذا وجدنا كلّ هذه الفوضى وكلّ هذا الغموض في كلامهم في قضيّة التجلّي والظهور والوحدة التشكيكيّة والفيض ووحدة الوجود والوحدة الشخصيّة والكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة وغير ذلك مما لا يفقه روحه وجوهره أكثر دارسي الفلسفة والعرفان أنفسهم ، ولا يعرفون منه سوى الألفاظ التي لو سألتهم عمّا وراءها لتاهوا وعجزوا عن الكلام ، أو لأعادوا لك الكلام نفسه ، ثم تسلّحوا بأنّ المطلب دقيق ولن تفهمه ، وبأنّك محجوب وغير ذلك من الكلمات . إنّ معنى هذه المنظومة هو إبطال الرؤية الدينية الواضحة الموجودة في الكتب السماوية التي بين أيدينا بما فيها القرآن الكريم ، فما معنى أنّه لا وجود سوى لله أبداً ، وعندما تقول لهم : نحن موجودون بالبداهة ، يقولون لك : نحن وجود ظلّي مجازي ، أو يقولون لك : نحن رتبة وجوديّة ضعيفة ، وغير ذلك من الكلمات التي يعتبر بعض الفقهاء أنّها لعبٌ على الألفاظ لا معنى لها سوى إنكار الخلق